الدستور- عكس قرار الحركة الاسلامية (الجماعة والحزب) بمقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة مخرجات للازمة الداخلية التي تعصف بالحركة الاسلامية منذ اشهر نتيجة الاختلاف بين القيادات الاسلامية على عدد من القضايا الهامة في مقدمتها ملف الازدواجية التنظيمية لفروع الجماعة في الخليج العربي "المكاتب الادارية" بين الجماعة وحركة حماس ، وكذلك الخلاف حول الامين العام لحزب جبهة العمل الاسلامي الذي ادى الى حدوث ازمة داخلية كادت تعصف بوحدة الحركة الاسلامية.
إرهاصات الأزمة التي ظهرت خلال الفترة الماضية وامتدت الى الان تحت نار الخلافات الهادئة التي تسود اروقة الحركة الاسلامية هي انعكاس واقعي لقرار مقاطعة الانتخابات. فالاصطفافات الداخلية في الجماعة واختلاف الرؤية والاولويات لدى قواعد الحركة الاسلامية احدثت فراغا قياديا بسبب الصراع بين القيادات والرموز على مواقع معينة.
وقد ادت هذه المعطيات الى اتجاه القواعد الى الانكفاء على الذات وعدم التفاعل مع الحياة السياسية والحزبية ، فكان قرار القواعد من خلال الاستبيان الذي وزعته القيادة على الشعب الاخوانية بالمقاطعة وعدم المشاركة في الانتخابات النيابية ، نتيجة للازمة التي عاشتها الجماعة بكل مستوياتها الحزبية.
اما الحديث عن مطالب للتراجع عن قرار "شورى الاخوان" فهو غير منسجم مع واقع الحال داخل الاسلاميين لان المشاركة في الانتخابات واختيار اسماء المرشحين سيكون بمثابة شرارة انفجار الوضع داخل الحركة ولذلك جاء قرار المقاطعة لنزع فتيل ازمة مؤجلة تكبر يوميا وسيعمق من حالة الاصطفافات بين الحمائم والصقور خصوصا وان الحمائم الذين دفعوا باتجاه قرار المقاطعة يدركون تماما ان خوض الانتخابات سيدفع برموز وقيادات التيار المتشدد الحماسي الى الواجهة في ظل سيطرة المتشددين على مراكز قرار الجماعة وهو ما تقاطع مع نتائج استبيان القواعد فجاء القرار بالمقاطعة.
غلف الاخوان قرار المقاطعة باسباب عدة وحددت مطالب وهي تعديل قانون الانتخاب ووضع اجراءات عملية تضمن نزاهة العملية الانتخابية ، إضافة الى مطالب سياسية برفع الحصار عن الحركة في العديد من الملفات ، مثل ملف جمعية المركز الاسلامي. كما تطالب الحركة بمعالجة قضايا المعلمين ، وعمال المياومة في وزارة الزراعة ، ورفع الوصاية عن الجامعات ، ومعالجة الفساد.
وفي قراءة هذه المطالب ، فان ما يتعلق بمطلب تعديل قانون الانتخاب ، يبدو من المفيد التذكير ان الاسلاميين شاركوا في انتخابات العام 1993 2003و 2007و التي جرت جميعها على اساس قانون الصوت الواحد ، كما انه من المفيد التذكير ان القانون الحالي للانتخاب الذي يقسم الدوائر الانتخابية الى دوائر فردية هو الاخر كان مطلبا للاسلاميين في العام ,1993
وبالرغم من مشاركة الاسلاميين في المجالس النيابية الثاني عشر ، والرابع عشر والخامس عشر التي جرت انتخاباتها وفقا لقانون انتخاب مؤقت يعتمد نظام الصوت الواحد الا انهم لم يعملوا على تغيير القانون وفقا للقنوات الدستورية التي تتيح تعديل او رفض او اقرار القانون.
ان المجالس النيابية منذ عام 1989 حتى عام 2007 (وهي خمسة مجالس نيابية) لم تتقدم بأي اقتراح لمشروع قانون انتخاب ، فقد كان كل نائب يصل إلى مجلس النواب يشعر بان القانون بالنسبة له عادل ، وحتى الاسلاميين انفسهم وان كانت لهم محاولات المطالبة بتعديل القانون فانها كانت اقرب الى "ذر الرماد في العيون".
وبحسب المادة (95) من الدستور فإنه يجوز لعشرة أو اكثر من أعضاء اي من مجلسي الأعيان والنواب أن يقترحوا القوانين ويحال كل اقتراح على اللجنة المختصة في المجلس لابداء الرأي فإذا رأى المجلس قبول الاقتراح أحاله على الحكومة لوضعه في صيغة مشروع قانون وتقديمه للمجلس في الدورة نفسها أو في الدورة التي تليها.
كما أن النواب لم يطلبوا تعديل تلك القوانين "المؤقتة" والتي تعرض عليهم في اول جلسة لمجلس النواب وفق الدستور الذي يقول في المادة :94 عندما يكون مجلس الأمة غير منعقد أو منحلاً يحق لمجلس الوزراء بموافقة الملك أن يضع قوانين مؤقتة في الأمور التي تستوجب إتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير أو تستدعي صرف نفقات مستعجلة غير قابلة للتأجيل ويكون لهذه القوانين المؤقتة التي يجب أن لا تخالف احكام هذا الدستور قوة القانون على أن تعرض على المجلس في أول إجتماع يعقده وللمجلس أن يقر هذه القوانين أو يعدلها ، أما إذا رفضها فيجب على مجلس الوزراء بموافقة الملك أن يعلن بطلانها فوراً ومن تاريخ ذلك الاعلان يزول مفعولها على ألا يؤثر ذلك في العقود والحقوق المكتسبة".
اما بشأن مطلب وضع اجراءات عملية تضمن نزاهة العملية الانتخابية ، فان من المفيد القول ان الحكم على الانتخابات قبل اجرائها امر فيه مبالغة كما ان نزاهة الانتخابات تبدو متوفرة من خلال الارادة السياسية للحكومة ، فالنزاهة في اجراء العملية الانتخابية هي مصلحة عليا للدولة لا سيما ان تطبيق القانون هو المعيار والحكم في كل العملية الانتخابية وهو ما يظهر واضحا حتى الان من الاجراءات التي عملت عليها الحكومة في المرحلة الماضية بصورة شفافة.
ولا شك في أن المصلحة الوطنية الأردنية تتطلب إنجاز انتخابات نيابية نزيهة بكل المعايير والمقاييس والتي يحددها رغبة توجهات الناخبين في اختيار ممثليهم في مجلس النواب القادم وبالتالي فان العملية الانتخابية ستتم بدقة ووفق أحكام القانون وهو ما تؤكد عليه الحكومة.
ونشير هنا الى انه لا يوجد قانون انتخابي مثالي وان التشريعات على اختلاف انواعها تنطوي على ايجابيات وسلبيات وعلى هذا الاساس فان قانون الانتخاب سياسي الامر الذي يعني انه لا يمكن ان يحظى باجماع من الفعاليات السياسية والحزبية والمواطنين الا ان التصورات حياله تؤكد انه الافضل والاقرب لتحقيق العدالة بين مختلف مناطق المملكة.
اما ملف جمعية المركز الاسلامي ، فان القضاء هو الفيصل في القضية وهو مطلب يجمع عليه الاسلاميون قبل اي جهة اخرى وبالتالي فان الحديث عن حل هذا الملف خارج اطار القضاء خطيئة يرتكبها الاسلاميون عن قصد واصرار.
من الواضح أن حضور الإسلاميين الأردنيين ، تراجع بقوة في الفترة الأخيرة ، لأسباب متداخلة ذاتية وموضوعية ، وهو ما يفسر لجوء الحركة الى اتخاذ قرار مسبق بشأن الانتخابات بعد تيقنهم من تراجع شعبيتهم وعلى ضوء هذا التراجع قرروا تسجيل موقف سياسي "عدمي" بدلا من خسارتهم.